الكرامة, تسمو, عندما
عندما تسمو الكرامة
عندما تسمو الكرامة
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
العادة قديما , عند بعض الحكام , كالخليفة هارون الرشيد ,أن يتفقدوا رعاياهم و يقفوا على مطالبهم و ملاحظاتهم ليستجيبوا لها ما أمكنهم ذلك .
و كانوا, تحقيقا لتلك الغاية , يتخفون بأزياء شعبية و يتنكرون بها كي تاتي النتائج على النحو المطلوب .
و يروى , في هذا الصدد , أن واحدا من هؤلاء دخل منزل فلاح بزي مموه و بصفة عابر سبيل . رحب به صاحب المنزل و زوجته و دعياه إلى تناول العشاء ,فقبل . و بعدما تلذذ بطعام نادرا ما يأكله , و شبع شبعا لم يألفه ,أحضر له الفلاح ,بناء على رغبة زوجته , تفاحا من البستان ليتذوق طعمه و يتحلّى به .
سر الضيف ,بطبيعة الحال ,بكرم الفلاح و بحسن استقباله له ,و أراد أن يكرمّه في مناسبة لاحقة , ولهذا بادره إلى القول : (( لماذا لا تهدي الحاكم سلة من هذا التفاح اللذيذ الطعم , فإنه حتما مقدّر لفعلتك , شاكر لجميلك ,مغدق عليك بالدنانير المذهبة ! )).
لم يقتنع الفلاح كثيرا بالفكرة و لم يشأ تنفيذها و لكن إلحاح زوجته و طمعها بثروة قد تأتيها على طبق من فضة , دفعاه إلى القيام بهذه الزيارة .
ومع بزوغ الفجر , في اليوم التالي , أمسك الفلاح بسلة اختوت أفخر ما عنده من التفاح و قصد القصر المحاط بسور , و لأن الدخول من الباب الرئيسي دونه صعوبة و مشقة اذ كيف له أن يدخل و عشرات الحراس كانوا له بالمرصاد ,و هو الفلاح الفقير الذي لا يجوز له أن يقابل الحاكم , فقد وجد أن القفز من فوق السور يجعله بعيدا عن المراقبة و قريبا من الهدف المنشود . وما كاد يهبط إلى الداخل بعد عملية تسلّق شاقة حتى وجد نفسه بين أيدي الحراس يتلقى ضربا مبرحا مدمّى . علا صراخه و أنينه و ضجت قصته في أركان القصر كله , فعرف الحاكم بالأمر , فتذكر تلك الليلة و العرض الذي قدمه لذلك الفلاح فطلب إحضاره فورا .
أجلسه .. طيب خاطره .. اعتذر له .. و قرّر تكريمه , فاستدعى أمين خزانته و أمره بأن يجول و إياه الأمكنة النفيسة في القصر و يعطي الفلاح ما يحلو له .
وسار الإثنان معا يتفقدان النفائس و الكنوز .. و كانت الفرصة متاحة للفلاح أن يختار ما يريد و يذهب إلى منزله . ولكن هذا الأخير لم ينتق إلى ثلاثة : منجل و حبل و مصحف كريم !!
أبلغ الحاكم بالأمر , فاستدعى ضيفه لمساءلته عن دوافع هذا الاختيار .. و بعدما طلب الفلاح الأمان قال :
اخترت المنجل لأقطع جميع أشجار التفاح من بستاني !
واخترت الحبل لأربط زوجتي به و أنهال عليها ضربا !
واخترت المصحف الكريم لأقسم يمينا معظّما ألا أستضيف بعد اليوم زائرا و أطعمه !
***************
القصة طبعا رمزية و تدل على إباء هذا الفلاح و كبر نفسه و طيبته و كرمه و حسن ضيافته .
و السؤال : لو وقعت هذه الحادثة في عصرنا الحالي و سمح للزائر المدمّى من شدة الضرب أن يختار ما يشتهي من النفائس , أما كان جمع كل مقتنيات القصر و خرج بها , قائلا في سره : مستعد أن تُداس كرامتي و يبصق في وجهي و أدمّى مقابل أن أفوز بالنفائس و الكنوز ؟؟
في هاتيك الأيام , كانت كرامة الإنسان هي الأغلى .. و في هذه الأيام صارت الكرامة هي الأرخص ... وا أسفاه ..
تحيـــــــــــــاتي للجميــــــــــــــــــع