الحمد لله رب العالمين, ولا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإنا إليه راجعون, وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على خير رُوحٍ وأزكى نفْسٍ, خاتم الأنبياء والمرسلين, وقائد الغر المحجلين, يكفيه أنه أحب الناس إلى الله, وكفى بها فخراً وعزّاً وشرفاً.
ورضي الله عن أبي الوليد إذ قال: وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِيِ ... وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ... كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ
لو سُطِرت جلود المؤمنين صحائفاً ورقمت بدمائهم تحبيراً؛ ما وفوا معشار ما في قلوبهم من محبته, فقد بعثه الله بالنور الذي ملأ الخافقين ضياءً وسناءً وهدىً ورشاداً, وهو السبب في نجاتهم وفلاحهم وفوزهم, وعتق رقابهم من نار الجبار وغضبه. أما بعد:
فلا تزال أمة الإسلام تُرمَى من أعاديها, ويُسخر من نبيّها وهاديها, من لدن أقوام حَزّتْ لَغَاصِمَ إنصافِها أسْوِدةُ الأحقاد, خاصة أهل الكتاب من أدعياء أتباع المرسلين, الحَقَدةِ على سيّد ولد آدم أجمعين, فأشاعوا في البَرِيّةِ عِلَلَ تمويهٍ يرتجون بها التلبيس على العقلاء, واستمالة الدهماء الى كاذب الأخبار وفاسد الآراء, فيسخرون من الكامل, ويختلقون عليه الخبر ويقيمون كذبة صلعاء بلقاء, لا تجد ما يستر عُرْيَهَا وعيبها عن ناظر العامّي النَّابِهِ, بلْه الفَحَصَةِ المُدَقِّقِينَ والبَحَثَةِ النَّصحةِ المُغربِلِين.
فتارة يأتون بكذب محال كمن قال: جئتُ بقَرْنَيْ حمار! والحمار لا قُرونَ له, أو أوقدتُ من الشمس غداً, وسأشرب البحر بالأمس! ولا تعجب ففي القوم أَعْجَب!
وتارة يُزَوِّرُون بتحوير الخَبَرِ وقلب وجهه..
فمالك تقبل زور الكلام ... وقدر الشهادة قدر الشهود
ثُمَّ يَعدون على الرأي والفكر والمنطق فيسلقونها بتعسّف غليظ وتحكّم بغيض, وبالغثِّ البارد الخليِّ من الأدب والفروسية, فيرمون بذلك الغثاء عقول النبلاء ووجوه العقلاء مع وافر الفَعَلاتِ والبَذَاءِ, فانتهى بهم عند عاقل قومهم الى المذمّةِ والسقوط والرّذل.
مع ذلك فقد أذهلوا بعض عقلائنا عن منازل الصبر, واستفزّوهم عن مواطن الحلم, ونقول لنبلائنا: لن تراعوا فقد غُودر الأذمُّ مرذولاً, سواء أكان بَابَاهُم أم كاهنهم أم قسيسهم وسياسيّهم وكاتبهم ورسّامهم ومخرجهم, ألم يقل رب العزة جل جلاله: "إنا كفيناك المستهزئين" (الحجر: 95) وقال سبحانه وبحمده: "إن شانئك هو الأبتر" (الكوثر:3)؟ ألم يكن السلف يستبشرون بفتح الحصن المنيع إذا نهق الأعداء بسبّه؟!
وهؤلاء الأصاغر_وعِزَّةِ ربِّنا_ حقيقون بأن يكونوا طعام السيوف المسلمة, لولا وَهَنٌ رُمِيَ به جُلُّ ساستهِم وقادتهم وَمُقَدَّميهم, والمشتكى إلى الله.
يرون من الذُّعرِ صوت الرياح ... صهيل الجياد وخفق البنود
مرّت القرون على حقائق كثير من الأمور عند أولئك القوم فطحنتها طحن الرحى فذرتها في الهواء يباباً, حتى تكلّموا في أمرٍ لم يَجْرُوا في غباره ولم يتعلقوا بأذياله, لسان حالنا: من ذا يعضُّ الكلبَ إن عَضَّا..
وكُنْ كيفَ شئتَ وقُلْ ما تشاء ... وأرْعِدْ يميناً وأبرِق شمالاً
نَجَا بِكَ عِرْضُكَ مَنْجَى الذُّبابِ ... حَمَتْهُ مقاديرُهُ أن يُنالا
وموافقتهم لنا أو مخالفتهم سواء, كما قال أبو الطيّب:
ومن جهلت نفسُهُ قدره ... رأى غيرُه منه ما لا يرى
ولن نرمي من ههنا مقاتلكم وإن كانت بادية, فقد بهرتْنَا سجايا حبيبنا وبهاء مجده أن يلتفت الخاطر لغير سيرته وجمال سجاياه وعذوبة أخباره وصِدْقِهَا, صلى الله عليه.
وسنرقم شيئاً من ذلك عَلَّ منهم نبلاء نَصَفَة, يقفون عليه مُحكّمينَ العقل والمنطق والبحث العلمي, المتجرد من علائق الهوى ودغائل الحقد.
وسنتكلّم هنا عن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم الجليلة, وأخلاقه الجميلة, وشخصيته الكاملة خَلْقًا وخُلُقًا:
يكفيه مدح الله تعالى له وتزكيته بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم" [القلم: 4]؛ فالأخلاق الجميلة بحذافيرها قد استوعبها وتـخلق بها بشكل عفوي وبدون تكلّف([1])، وحيثما تأملت في خلق نبيل وجدت لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيه أعلى المنازل، لذلك أوصى الله تعالى عباده بالتأسي به: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر" [الأحزاب: 21]، وكان كما روي عنه _وقد صحّ معناه دون لفظه_: «أدبني ربي فأحسن تأديبي»([2])، وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»([3]).
والكمال المحمدي ضربان:
الأول: خاص به ولن يكون لغيره من بعده, كاصطفائه بالنبوة والرسالة وتلقي الوحي الإلهي.
الثاني: أُمِرَ الناسُ بالاقتداء به فيه, لأنه الأنموذج الكامل للاقتداء والتأسي.
وقد كان يحث على حسن الخلق ويعد عليه أعظم الأجور «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا»([4]). وسئل عن البرّ فقال: «حسن الخلق»([5])، وقال: «وخالق الناس بخلق حسن»([6]) صلى الله عليه وسلم وبارك.
هذا ومن نماذج حسن خلقه وكريم سجاياه وحميد خصاله([7]) الكرم، فقد كان فيه مضرب الأمثال فكان لا يرد سائلاً، وقد سأله رجل حلّة كان يلبسها فأعطاه إياها مع حاجته إليها.
وقال عنه جابر رضي الله عنه: «ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا، وقد أعطى رجلاً غنمًا بين جبلين، فأتى الرجل قومه وقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة».
وحُملت إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير فقام فقسمها كلها وما أخذ منها لنفسه شيئًا.
وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله، وأعطى معوذ بن عفراء ملء كفه ذهبًا وحليًا لما جاءه بهدية من رطب وقثاء، وكان إذا سئل ولم يكن عنده شيء يقول: «ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شيء قضيناه» أي اشتر ما تحتاجه على حسابي.
أما الصدق والأمانة فكانا ملتصقين باسمه وبحاله حتى قبل مبعثه فقد كان يلقب في مكة قبل أن يوحى إليه بالصادق الأمين.
أما عن حلمه فهو السيّد فيه بحق، فإنه لما شجّ المشركون وجنتيه وكسروا رباعيته ودخلت حلقتا المغفر في رأسه يوم أحد قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».