كيف أتغير؟
كيف أتحول؟
من أين أبدأ؟..
إنها أسئلة كثيرًا ما تتردد داخلنا، وتطرقأسماعنا، وتلح على قلوبنا، وليس الداعية بمنأى عن أمثال هذه الأسئلة، وليس هو بأغنىعن إصلاح نفسه والنظر الدائم فيها ومراجعتها؛ فالنفس متقلبة، وسبحانه وتعالى مقلبالقلوب، ولَقلبُ ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا استجمعت غليانًا، كما أخبرالمعصوم صلى الله عليه وسلم.
ولعلك تفهم أن مجرد المعرفة والعلم بخطرالمعصية لا يكفي للابتعاد عنها وتركها؛ فكم من علماء اجترءوا على ما لا يجترئ عليهجاهل! !!
ولعلك تقول متحيرًا: كم من مرة حاولت وقررت العودة، بل وحددت لنفسي يومًاأو موسمًا أبدأ منه، ويمر اليوم وينقضي الموسم وأنا على حالي!!
وكم من مرة بدأتفعلا، ولكن ما أكاد أسير في الطريق يومًا أو يومين إلا وأنتكس مرة أخرى لعوامل منداخلي، أو لطوارئ ودواعٍ من خارجي.
إذن: ما العمل؟ وأين الطريق؟
لا بدلكل منا من نقطة تحوُّل، يُحَوِّل فيها مساره إلى طريق الله، ويهجر طريق الشيطان،ويحذر قُطاع الطرق.
في السطور التالية أرجو أن تعيرني قلبك لا سمعك، وإحساسك لاعينك، ونحاول سويًّا بإذن الله أن نتلمس سبيل الوصول إلى الله عز وجل في خطواتمتدرجة، استقيتها من تجارب العلماء في بدء تعاملهم وإنابتهم إلى رب العزة سبحانهوتعالى.
ومن البداية أقول لك: لا تظن أن الطريق سهل.
فما تسعى إليه قدحُفَّ بالمكاره والعقبات والأشواك، ولكنك عندما تصل ويفتح لك مولاك الباب ستنسىكل ألم، وستودع كل تعب، وستحس بلذة لا تضارعها لذة دنيوية.
الحجر الصحي!!!
أول ما يجب أن تقوم به هو عزل نفسك عن مَواطن المعصيةورفقائها؛ حتى لا تجد فرصة للمعاصي، فتنقطع تمامًا عن المعصية.
ثم الزم الإلحاحعلى معاتبة نفسك وتذكيرها ربها، وردد على سمعك دائمًا أنك لا بد ستموت إن عاجلا أوآجلا، وستلقى الله عز وجل فيحاسبك.
اصمت تسلم
درِّب نفسك على أن تصمتأكثر مما تتكلم؛ فإن النفس إذا صمتت سكتت(*)، فإذا طال سكوتها تبين لها الكثير مماكانت تخوض فيه من الباطل، وعندها تنكسر؛ إذ تعلم أنها متعرضة لسخط مولاها.
ثمعاوِد العتاب مرة أخرى، وذكِّرها بذنوبها ومعاصيها ذنبًا ذنبًا، وعرِّفها عقوبة كلذنب من تلك الذنوب؛ حتى تعترف وتُقِر.
انسى طاعاتك
إذا اعترفت نفسكبالتقصير والذنوب؛ فأدِم تذكيرها بعظيم جرائمها وذنوبها، وأوهمها أنها لم تعمل فيحياتها إلا المعصية، وأنسِها في هذه المرحلة حسناتها وطاعاتها؛ حتى توقن بالهلاك إنلم تتب، ويستيقظ ضميرها، وتسيل دمعتها.
فإذا ما استيقظ ضمير نفسك، وسالتدمعتها، وأيقنت بالهلاك فأخبرها بضرورة الإقلاع عن المعاصي والاستدراك، وأن هذا لايتأتى إلا بهجران كل أسباب المعصية؛ من أصحاب وأهل وقرابة وأدوات، وأخبرها أنها لاتصح توبتها إلا بترك ذلك كله.
أذلها بالجوع
إذا نفرت نفسك من ذلك وأبأَت؛فاكسرها بكثرة الصيام، وأذلها بالجوع؛ فإن النفس إذا أأألمها الجوع تخشع وتستمعوتستسلم للمعاتبة فتقبل، فإذا لم تقبل فذكِّرها بعذاب الله وسوء المصير؛ حتى تلينلك، وعندها ستجدها تعطيك وعدًا بترك المعاصي بعد قليل، وتسوف لك متعللة بقضاء بعضحوائجها.
قاوم التسويف
إذا وجدتها تسوف لك وتعد لأمد طويل أو قصير،فاحمل عليها حملة شديدة بالزجر والتذكير بعدم ضمان الأجل، وأنه لربما تستوفي أجلهاقبل أن يحين الموعد، وأعد عليها ذكر العقوبات والنقم.
تحلية بعدتخلية
فإذا أذعنت لك وطاوعتك في قطع أسباب المعصية، فاعمل على إكسابها أضداد ماقطعته وفارقته؛ فابحث لها عن صاحب مرشد بدلا من الصاحب المغوي، وعلِّمها الذكر بدلامن السهو والغفلة، وألزمها التثبت والتفكر بدلا من الطيش والعجلة، وأذقها مناجاةالرب سبحانه وتعالى وحلاوة تلاوة كتابه، ومطالعة العلم، والتعرف على سير الصالحينوأخلاقهم، بدلا من الخوض في الباطل ومجالسة الفاسدين المفسدين، وعندها تجتمع أنوارهذه البدائل في قلبك، ويستنير عقلك بموروثات الطاعة، ويؤيدك الله بمعونته، وتقهرأنوار الطاعة أهواء نفسك؛ فتتحول الطاعة إلى طبع وعادة. مثلما كانت المعصية لها طبعوعادة.
إياك والعُجب
إذا وصلت نفسك لهذه المرحلة من الاستقامة على طاعةربها؛ فربما نما فيها العُجب بطاعتها وتركها للمعصية، فازجرها عن ذلك، وذكرها بنظرالله عز وجل إلى ضميرها، وخوفها بحبوط هذا العمل، وشككها في قبوله.
تذكرماضيك
وإذا نجت النفس من العجب بأعمالها فربما وقعت في الكبر والاستطالة علىالناس لما ترى من معاصيهم واستقامتها، فتزدري العاصين وتترفع عليهم، عندها ذكرهابماضيها وما كانت عليه، وأقرِع سمعها بقوله عز وجل: {كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُفَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}، وقول القائل: "رب معصية أورثت ذلاً وانكسارًا خير منطاعة أورثت عزًّا واستكبارًا"، وخوفها من خاتمة السوء، حتى تعرف قدرها وتنفي الكبرعن ضميرها.
ولكن لا تعتقد أن هذه هي النهاية؛ فكما يقولون: "إن الوصول إلىالقمة سهل، ولكن الحفاظ عليها هو الصعب"، فيجب أن تكون على حذر دائمًا، وأن ترعىنفسك وتهذبها دومًا مما يعكر عليها صفو الطاعة؛ حتى تظل على هذه الحالة منالاستسلام والانقياد لله عز وجل، والنفور من معصيته.
وأخيرًا عليك الدوام علىالدعاء بالثبات، واحذر الانتكاسة، واعلم أن الهداية من الله عز وجل.
*************************
(*) الفرق بين السكوت والصمت: أنالصمت سكوت اللسان، وشغل النفس بالكلام. أما السكوت فهو سكوت اللسان والنفس جميعًا.
منقول لأشرف عبدالمطلب
حديث يثير شجون النفس، اللهم قربنا منك و من طاعاتك وباعد بيننا و بين كل ما يبعدنا عنك برحمتك يا الله يا كريم اَمييين
ودمتم جميعاً، أميمة