هذا هو الوفاء

عضو · 5 مشاركة

الوفاء

هذا هو الوفاء

الوفاء : كلمة رقيقة تحمل جملة من المعاني الجميلة :

فالوفاء يعني : الإخلاص .

والوفاء يعني : لا غدر ولا خيانة .

والوفاء يعني : البذل والعطاء .

والوفاء : تذكّر للود ، ومحافظة على العهد .

وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود فقال سبحانه :

{ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود }

– المائدة 1 - ،

ومن أوثق العقود التي يجب الوفاء بها : عقد النكاح ، وشروطه أولى الشروط بالوفاء .

جاء في الحديث : (( أحقُّ الشروط أن توفُّوا به ما استحللتُم به الفروج )) رواه البخاري ،

من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه .

والوفاء بين الزوجين الذي أودُّ الحديث عنه هنا لا يقتصر على الالتزام بأمر شرطه أحد الطرفين

على الآخر حين العقد ، بل يتعدّاه ليشمل كل معنى جميل تشمله كلمة الوفاء .

فهو يشمل تفاصيل الحياة بين الزوجين ؛ ليعيش كل منهما وهو يحمل في قلبه حباً ووُدّاً ورحمة وتقديراً وإخلاصاً لا متناهياً تجاه الطرف الآخر .

فالوفاء يعني : البذل والعطاء والتضحية والصبر ، وذلك بالاهتمام بمن كنت وفياً به ، والحرص عليه ، وعدم التفريط فيه ، والخوف عليه من الأذى ، ومراعاة شعوره وأحاسيسه ، وتقدير جهوده ، والشكر لصنائعه ، وعدم إفشاء سره ، والحفاظ على خصوصياته ، والعمل على إسعاده ، والثناء الحسن عليه ، وذكر محاسنه ، وتجاهل أخطائه ، والذكرى الجميلة لعهده وأيامه بعد فراقه .

فليس مع الوفاء ترصُّد ، ولا تصيُّد ، ولا إساءة ، ولا ظلم ، ولا نكران ، ولا جرح ، ولا قدح ، ولا .. ولا..

والوفاء بمفهومه الشامل الذي أوضحناه لا يتحقق إلا إذا كان بناء هذه العلاقة منذ البداية سليماً متيناً راسخاً ،

يقوم على مبادئ ، ويسعى لتحقيق أهداف .

فمن تزوج للجمال فقط ، تلاشى الوفاء في علاقته عند فقد الجمال .

ومن تزوج للمال فقط ، ضاع الوفاء مع فقد المال .

لكن من كانت الأولوية عنده في هذا العقد والعهد للدين والخلق ، مراعياً

قول خير البرية صلى الله عليه وسلم :

(( فاظفر بذات الدين )) ، وقوله : (( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )) ،

فحري بهذا أن ينعم بالوفاء والهناء .

إن قضية الوفاء لا تتحقق إلا إذا تضافر لها ثلاثة عناصر :

الحب ، والإنسانية ، والإيمان ، فالحب محرِّك الوفاء ، والإنسانية ضمانه وبها استمراره ، والإيمان هو الضابط له ، وبه يكمل ويربو .

وبين يديك الخطوط العريضة لمعالم الوفاء بين الأزواج رسمها لك سيد الأوفياء عليه الصلاة والسلام ، من جعله الله تعالى الأسوة الحسنة ؛ ليستنير بهديه ويسير على دربه المؤمنون .

أخرج البخاري بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت :

( ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غِرْتُ على خديجة ، وما رأيتُها ،

ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكْثِر من ذِكْرِها ، وربما ذبح الشاة ثم

يُقَطِّعُها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق )

– أي : صديقات – خديجة .

فربما قلت له : (كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة !)

فيقول : (( إنها كانت ، وكانت ، وكان لي منها ولد )) .

فصلَّى الله وسلَّم على أكرم الخلق ، وحافظ العهد .

فقد كان صلى الله عليه وسلَّم وفياً لخديجة في حياتها ، ووفياً لها بعد وفاتها ، فهو يذكر

أعمالها وأخلاقها ، وأيامها وعهدها ، رضي الله تعالى عنها .

كيف لا ، وهي التي آثرته ورغبت فيه ، وهي أول من صدَّقه وآمن به ، وهي التي

ثبَّتَتْ فؤاده وقوَّت عزيمته ، وكانت البلسم الشافي لآلامه وأحزانه .

هي التي واسته بمالها ، وهي التي رزق منها الولد ، وهي التي حفظت عهده ،

وحافظت على بيته وولده ، وهي .. وهي ..

فنالت بسبب هذا الوفاء العظيم ما جاء في الحديث الشريف :

(( بشِّروا خديجة ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب ))

رواه البخاري .

وعند الطبراني من حديث فاطمة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله ،

أين أمي خديجة ؟ فقال :

(( في بيت من قصب )) . قلت : أمن هذا القصب ؟ قال :

(( لا ، من القصب المنظوم بالدرِّ واللؤلؤ والياقوت )) .

قال السُّهَيلي : (( النُّكْتة في قوله (( من قصب )) ولم يقل : من لؤلؤ :

أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السَّبْق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها )) .

وقال ابن حجر : (( وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه ، وكذا كان

لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها ؛ إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن ،

ولم يصدر منها ما يغضبه قط ، كما وقع لغيرها )) .

وقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاءها بوفاء أعظم منه ، فكان من وفائه لها :

1- الحزن الشديد على فراقها ، كما جاء عند الحاكم من حديث حبيب مولى عروة .

2- ومن وفائه صلى الله عليه وسلم لها : أنها كان يصرِّح بحبه لها حتى بعد وفاتها .

ففي حديث عائشة رضي الله عنها عند ابن حبان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إني رُزِقْتُ حبَّها )) يعني : خديجة .

3- الإكثار من ذكرها ، كما تقدم : (( إنها كانت وكانت )) يذكر ماذا ؟!.

*إنه يذكر محاسنها : إيمانها وتصديقها ، وثباتها وتثبيتها ، إنه يذكر أخلاقها الفاضلة ،

وعاداتها الجميلة ، والتزامها ، وأدبها ، واحترامها ، وحسن عشرتها ،

إنه يذكر بيتها الهادئ ، وحياته الهانئة معها ، ويذكر ويذكر .

وهذا هو الوفاء العظيم الذي ينبغي أن يسير عليه كل من

اتَّخذ المصطفى صلى الله عليه وسلم قدوته .

فإن كان ثَمَّ أخطاء للزوجة ، فإن مسلك الأوفياء : تجاهل الأخطاء ، والتجاوز عنها ،

وعدم إفشائها ونشرها ، مع مراجعة الذاكرة للبحث عن المحاسن والإيجابيات .

قال صلى الله عليه وسلم :

(( لا يَفْرَكْ* مؤمن مؤمنة – أي : لا يبغض –، إن كره منها خلقاً ، رضي منها آخر ))

رواه مسلم من حديث أبي هريرة .

وصدق القائل :

ومن ذا الذي تُرْضَى سجاياه كلُّها***************كفى المرءَ نُبْلاً أن تُعَدَّ معايبُه

4- ومن وفائه صلى الله عليه وسلم لخديجة : أنه كان يَبَرُّ صديقاتها ومن يحبُّها ،

ويهتمُّ بهنّ حتى بعد وفاتها ، يذبح الشاة ويقطّعها ثم يرسلها إليهن .

وكان يصل الواحدة منهنَّ بالهدايا المختلفة ، فقد أخرج ابن حبان من

حديث أنس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أُتِي بشيء قال :

(( اذهبوا به إلى فلانة ، فإنها كانت صديقة لخديجة ))

ولفظ الحاكم : (( اذهبوا به إلى فلانة ؛ فإنها كانت تحب خديجة ))*

وما ذاك إلا وفاء لخديجة ، وبراً بها ، وحباً لها ، وإحياء لذكراها الجميلة على

قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم .

5- ومن وفائه لها : أنه أكرم امرأة زارته بعد وفاتها ؛ لصلتها بها ،

وما ذاك إلا وفاء لعهدها .

أخرج ابن عبد البر من حديث عائشة قالت : جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها :

(( من أنت؟ )) فقالت : أنا جثامة المزنية . قال : (( كيف حالكم ؟ كيف أنت بعدنا ؟ )) . قالت : بخير ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله .

فلما خرجت قلت : يا رسول الله ، تُقْبِلُ على هذه العجوز هذا الإقبال ؟! فقال :

(( إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان )) .

وفي بعض الروايات أن هذه العجوز هي أم زفر ماشطة خديجة .

6- ومن وفائه لها : أن كان يذكر أيامها ، ويثني عليها ،

ولا يرضى من أحد أن يتكلم عنها بمكروه .

أخرج أحمد من حديث عائشة قالت :

( ذكر رسول اله صلى الله عليه وسلم يوماً خديجة ، فأطنب في الثناء عليها ،

فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة ، فقلت : (لقد أعقبك الله يا رسول الله

من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين).

قالت :

( فتغيَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيُّراً لم أره تغيَّر عند شيء قط )... الحديث .

وكان يكثر من ذكرها ويبالغ فيه

.قد أثنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السيدة خديجة ما لم يثن على غيرها ، فتقول السيدة عائشة كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوماً من الأيام فأخذتني الغيرة ، فقلت :

( هل كانت إلا عجوزاً واراها التراب و قد أبدلك الله خيراً منها )

فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال :

( لا والله ما أبدلني الله خيراً منها ، آمنتْ بي إذْ كفرَ الناس ، وصدَّقتني إذ كذّبَني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمنـي الناس ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء )

فشعرت السيدة عائشة أن النبى قد غضب فقالت له:

(إستغفر لى يا رسول الله)

فقال إستغفرى لخديجة حتى أستغفر لك)

قالت عائشة فقلتْ في نفسي : لا أذكرها بعدها بسبّةٍ أبداً ) .

تلك هي معالم الوفاء التي ينبغي أن تبنى العلاقات الأسرية على أساسها ، تلمّسناها

من هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام سيد الأوفياء .

فحري بأهل الإيمان أن يكون الوفاء شعارهم ، وعنوان حياتهم ، ليحققوا السعادة ، ويهنئوا بالحياة .

جزاكم الله خيرا

شكرا لمتابعتكم

أختكم..ميسون

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم