قصيدة (ليس الغريب غريب الشام واليمن)
من القصائد التي نالت شهرة واسعة في الأدب العربي
وهي منسوبة للإمام زين العابدين كما ذكرت المصادر الأدبية
أضعها بين أيديكم عسى أن تنال رضاكم :
ليـس الغريــب غريــب الشــــام واليــمــن
إن الغريــب غريــب الـلـحـــد والكــفـــــن
إن الـغـريـــب لــــه حـــــــق لغــربــتـــــه
على المقيمين فـــــي الأوطــان والسكــن
لا تنهـــــرن غريبـــــــا حــــال غربـتــــــه
فالدهـــــر ينــهــره بالـــــذل والمـحــــــن
سفــــري بعيـــــد وزادي لـن يبلغــــنـــي
وقوتــي ضعــفــت والمــــــــوت يطلبــني
ولي بقايا ذنـــــــــــوب لســـت أعلمـهـا
الــلــــه يعلمهــا في الســـر والعــلـــن
ما أحلــم الـلـــــه عني حيـث أمهلـنــــي
وقـد تماديــــت في ذنـبـي ويستـرنــــــي
تـمـــر ساعــات أيـامـي بـلا نــــــــــــدم
ولا بكــــاء ولا خـــــوف ولا حـــــــــزن
أنـا الــذي أغـلـــق الأبـــواب مجتهــــدا
على المعاصـــي وعين الـلــه تنظـرني
يا ذلــة كتبـت فــي غـفــلـة ذهـبــــــــت
يا حســرة بقيــت فــي القلــب تحرقنــي
دعني أنــــوح على نفسـي وأندبهـــــا
وأقطــــع الدهـــــر بالتذكير والحــزن
دع عنــك عـذلي يـا مـن كنـت تعذلـنــي
لـــو كنــت تعلــم ما بـي كـنـت تعـذرنـي
دعني أســح دموعــا ً لا انقطــاع لهـا
فهـل عسـى عبـــرة منهـــا تخلصنـــي
كأنني بيـن تلـك الأهــــــــل منطرحـــا
على الفــراش وأيديـهــــم تقلبــنـــــي
وقـــــد تجمـع حولــي من ينــوح ومن
يبـكــي عـلـيّ وينـعـانــي وينــدبـنــــي
وقــد أتــوا بطبـيـــب كـي يعالجـنـــــي
ولـم أر الطـــب هــذا اليــوم ينفعــني
واشـتد نزعـي وصـــار المـوت يجذبها
مـن كـل عــرق بـلا رفـــق ولا هـــون
واستخرج الــروح مني في تغرغرهــا
وصـار ريقـي مريـــــراً حين غرغرنـي
وغمضونــــي وراح الكــل وانصرفـــوا
بعد الإياس وجدوا في شـــــراء الكفن
وقــام من كـان حــب النـاس في عجـل
نحـــــو المغـســــل يأتيـنــــي يغسلـنــي
وقـــــال يا قــــوم نبــــغِ غاســلاً حذقـــا
حــــراً أديبـــاً أريبـــاً عارفـــاً فـطــــــن
فجـاءنــي رجــــل منهـــم فجــردنـــــي
مــن الثيـــاب وأعـــرانـي وأفــردنــــي
وأودعونــي علــى الألـــواح منطـرحــا
وصـــار فوقي خريــر المــاء ينظفنــي
وأسكــــــــب المــاء فوقي وغسلنـــي
غســـلاً ثلاثـــاً ونــادى القـوم بالكفـن
وألبسـونـي ثـيــــاب لا كمــــام لهـــا
وصــار زادي حنوطـي حيـن يبلغــني
وحملونـي علــى الأكـتـــاف أربـعــة
مـــن الرجــال وخلـفي مـن يشيعنــي
وقدموني إلى المحـراب وانصرفــوا
خلـــف الإمـــام فصلـى ثـم ودعنـي
صَلَـــوا علـّي صــلاة لا ركوع لهــا
ولا سجـــود لعـــل الـلــــه يرحمنـي
وأنزلـوني في قبـــــري علـى مهـــل
وقدمـــوا واحـــــداً منهــم يلحدنـــي
فقـام محترمـاً بالحـــزم مشتـمـــــلا
وصفـف اللبـن من فوقـي وفارقنـي
وقال هُلـوا عليه التـراب واغتنموا
أجر الثواب من الرحمن ذي المنن
في ظلمة القبــــــر لا أم هنــاك ولا
أب شفيـــــــق ولا أخ يؤنسـنــــــي
وهالني صورة في العين إذ نظـرت
من هول مطلع ما قد كان أفزعنـي
من منكـــر ونكـيــر ما أقــول لهـم ؟
قد هالني أمــرهم جـــداً فأدهشـني !
وأقعدونــي وجَّــــدا فـي مســاءلتــي
مالي ســـواك إلهـــــي من يخلصني
تقاسم الأهـــل مالي بعدما انصرفوا
وصار وزري على ظهــري فأثقلني
واستبدلت زوجتي بعــلاً لهــا بدلــي
وحكمتـه على الأمــــوال والسكــن
وصَيَّــرَتْ ولـدي عبــداً ليخدمهــــا
وصــــار مالـي لهـم حِــلاً بلا ثمـن
فــلا تغرنــــــك الدنيــــــا وزينتـهـــــا
وانظـر إلى فعلها في الأهل والوطن
وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها
هل راح منها بغير الحنـط والكفــن ؟!
خذ القناعة من دنيــاك وارض بهـا
لو لم يكـن منهـا إلا راحــة البـــدن
يا زارع الخيــر تحصــد بعـــده ثمـرا
يا زارع الشر موقوف على الوهن
يانفس كفي عن العصيـان واكتسبي
فعلاً جميـلاً لعــــل الـلـه يرحمنـــــي
يانفس ويحك توبي واعملي حسنــا
عسى تجازين بعد الموت بالحســن
ثـم الصـــلاة علـى المخـتـار سيدنـا
ما وقع البـرق في شـام وفي يمــن
والحمــد لـلــه ممسينـا ومصبحـنــا
بالعفـو والخـير والإحسـان والمنـن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخــــوكـم الـكـاشـــــف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ