الرائعة البديعة : قصيدة : ( أرح ركابك )
لشاعر العرب الأكبر : ( محمد مهدي الجواهري )
ألقاها ببغداد على أثر عودته من مغتربه في تشيكوسلوفاكيا بعد غياب طال أكثر من سبع سنوات
في حفل تكريمي أقيم له بهذه المناسبة في عام 1969 م
أرح ركابك
أرحْ ركابَك من أينٍ ومن عَثَرِ
كفاك جيلانِ محمولاً على خطرِ (1)
كفاك موحِشُ دربٍ رُحتَ تقطعُهُ
كأنَّ مغبرَّه ليلٌ بلا سَحَرِ
ويا أخا الطيرِ في وِرْدٍ وفي صَدَرِ
في كلِّ يومٍ له عُشٌّ على شجرِ (2)
عُريانَ يحمل مِنقاراً وأجنحةً
أخفُّ ما لمَّ من زادٍ أخو سَفَرِ
بحسبِ نفسِك ما تعيا النُّفوسُ به
من فرط منطلَقٍ أو فرط منحدرِ (3)
أناشدٌ أنت حتفاً صنعَ منتحرِ
أم شابكٌ أنت ، مغتراً ، يدَ القدرِ
أم راكبٌ متنَ نكباءٍ مطوِّحةٍ
ترى بديلاً بها عن ناعم السرُرِ (4)
خَفِّضْ جَناحيكَ لا تهزأ بعاصفةٍ
طوى لها النَّسرُ كشْحيه فلم يَطِرِ (5)
ألفى لها عِبرةً في جؤجؤٍ خضِبٍ
من غيره ، وجَناحٍ منه منكسرِ (6)
*
*
*
يا سامرَ الحي بي شوقٌ يرمِّضني
إلى اللِّدات ، إلى النجوى ، إلى السَّمرِ (7)
يا سامر الحي بي داءٌ من الضجرِ
عاصاه حتى رنينُ الكأس والوترِ
لا أدَّعي سهرَ العشاق يُشبِعُهُمْ
يا سامرَ الحي بي جوْع إلى السَّهرِ
يا سامر الحي حنى الهمُّ من دأبٍ
عليه آب إلى ضربٍ من الخدرِ
خلاف ما ابتُدعت للخمر من صُورٍ
وجدتها زادَ عجلانٍ ومنتظرِ
كأنَّ في الحَبَب المرتجّ مفتَرقاً
من الطريق على ساهٍ ومدَّكرِ (8)
يا سامر الحي إنَّ الدهرَ ذو عجب
أّعْيَت مذاهبُه الجُلّى على الفِكَرِ
كأنّ نُعماءه حبلى بأبؤسِهِ
من ساعةِ الصفو تأتي ساعةُ الكدرِ
تندسُّ في النَّشوات الحُمسِ عائذةً
هذي ، فتُدركها الأخرى على الأثرِ (9)
ينغِّص العيشَ أنَّ الموتَ يُدركه
فنحن من ذَيْنِ بين الناب والظُّفرِ
والعمرُ كالليلِ نحييه مغالطةً
يُشكى من الطول أو يشكى من القِصرِ
*
*
*
ويا ملاعبَ أترابي بمنعَطفٍ
من الفرات ، إلى كوفانَ ، فالجُزُرِ (10)
فالجسرُ عن جانبيه خفْقُ أشرعةٍ
رفّافةٍ في أعالي الجوّ كالطُّرَرِ (11)
إلى ( الخورنقِ ) باق في مساحبه
من ابن ماء السماء ما جرَّ من أُزُرِ
تلكم ( شقائقه ) لم تأل ناشرةً
نوافج المسك فضّتها يد المطر (12)
بيضاءَ ، حمراءَ ، أسراباً يموج بها
ريشُ الطواويس ، أو مَوْشيةُ الحَبَرِ (13)
للآنَ يُطرب سمعي في شواطئه
صدحُ الحمام ، وثغيُ الشاء والبقر (14)
والرملةُ الدمثُ في ضوءٍ من القمرِ
والمدرجُ السَمحُ بين السُوحِ والحُجرِ (15)
*
*
*
يا أهنأ الساعِ من دنياي أجمعِها
إذا عددتُ الهنيءَ الحلوَ من عُمُري
تصوَّبي من علٍ حتى إذا انحدرت
بي الحُتُوفُ لذاك الرمل فانحدري (16)
تُمحي الغضارات في الدنيا سوى شفقٍ
من الطفولة - عذبٍ مثلها - غضرِ
وتُستطار طيوفُ الذكريات سوى
طيفٍ من المهدِ - حتى اللَّحد - مدَّكَرِ
في ( جنَّة الخلد ) طافت بي على الكبرِ
رؤيا شبابٍ ، وأحلاَمٍ من الصِغَر
مجنَّحاتُ أحاسيسٍ وأخيلةٍ
مثل الفَراشات في حقل الصبا النضِرِ
أصطادهنَّ بزعمي وهي لي شَرَكٌ
يصطادُني بالسنا واللطفِ والخَفَرِ
أقتادهُنَّ إلى حربٍ على الضجر
فيصْطَلحن على حربي مع الضجرِ
*
*
*
رأيتُم كيف هان الصبرُ عندكمُ
وكيف كان على الـلأواء مصطَبري (17)
وكيف زُرَّتْ على الإيمانِ مِدرعتي
وكيف تاه على ديباجكم وَبَري (18)
يا ( دجلةَ الخير ) نحنُ الممتلين غنىً
بنا انعطافٌ على ملآنَ مفتِقرِ
والله لو أُوهَبُ الدنيا بأَجْمَعِها
ما بِعتُ عِزّي بِذُلَّ المُتْرَفِ البَطِرِ
قالوا يظنُّون بي شيئاً من الصِغَرِ
فقلت فيهم وبي شيءٌ من الصَعَرِ (19)
رثيتُ للعقر بِ اللّدغى جِبِلَّتُها
لِفَرْطِ ما حُمِّلَت سُمّاً على الإِبرِ (20)
لولا مغبّةُ ما تَجني ذُنابَتُها
لقلتُ : رفقاً بهذا الزاحِف القَذِرِ
*
*
*
ويا سُقاةَ الندى من كل منسجِمٍ
والأريحيات ، معسولِ النثا عطِرِ (21)
يا صفوةَ البلدِ الزاهي بصفوته
ويا أساريرَ وعيٍ فيه منتشرِ
ضممتم المجدَ من أطرافه زُمَراً
تُضفي عليَّ سناها صفوةُ الزمرِ
من كلَّ لونٍ كريمٍ مشرقٍ خَضِلٍ
كما تَلَوَّنُ حسناً باقةُ الزهرِ (22)
معتّقين سُلافَ الحرف ناضجةً
نُضجَ ابنةِ الكرْمِ فيه ابنةُ الغرر (23)
عذراً لأكؤسكم كأسي بها وَشَلٌ
خجلانُ من مُترع الحافات مزدخرِ
ما كنت بالعيِّ لجلاجاً بمجتمعٍ
ولا بهيّابةٍ في منطقٍ حَصِرِ
ولم يَدَعْ ليَ كرُّ الدهرِ من وطرٍ
ولا المحاذيرُ قد مارستُ من حذرِ
لكن وجدتُ جميلَ الصنع مبتكَراً
ما ان يُوفَّى بقولٍ غيرِ مبتَكَرِ
وقد يضيق بشكر المفضِلينَ فمٌ
حتى يُغطي عليه عذرُ معتذرِ
= = = = = = = = = =
(1) الأيـــــــــــــــــــــــــــن : التعب والاعياء
(2) الــــــــــــــــــــــــوِرْد : هو أن ترد المياه
لتشرب منها. والصَــــــــــــــــدَر : هو أن
تصدر عنها ، أي ترجع بعد ذلك
(3) بحسبـــــــــك الشــــــيء : كفايتـــك منه.
و تـعـيــــا : تتعب أو تضيق
(4) الـنــكــبــــــــــــــاء : الــريــــــــــــــــــــح
(5) الـكــــشــــــح : مـا بيـن الخـاصـــرة إلى
الضلــــع الخلـــــفي
(6) الـــجـــؤجـــــــــــــــــــــــــؤ : الصــــــــدر
(7) يرمضـنـي : أي يحـرقـنـــي. والللــدات :
جمع لدة ، وهو قرينك في السن
(8) الحبـــب : الفقاقيع التي تطفو على سطح
الخمر أعلى الكأس
(9) الحمس : الهائجة. والبيت مرتبط بسابقه
والقطعة حتى البيت :
والعمر كالليل نحييه مغالطة
يشكى من الطول أو يشكى من القصر
وهي تصور حدة القلق الذي استحوذ على الشاعر في غربته
(10) هــــــــــذه القطــعـــة حـتــــى البـيـــــت :
أقتادهن إلى حرب على الضجر
فيصطلحن على حربي مع الضجر
استعراض وابتعاث لذكريات الشاعر في كفولته وصباه ويفاعه
في مدارج (النجف) و(الحيرة) ومنعطفات الفرات وجزره وفي
رملة (الكوفة) وملاعبها ، وتذكر للصور الشاخصة منها والباهتة
على حد سواء ، ففيها خفق أشرعة السفن الراسية الجميلة الرابضة
على شواطىء الفرات والمسماة بهذا الاسم ، وفيها تعريج على شقائق
النعمان التي ما تزال حتى اليوم تنتشر بكثرة في وديان الحيرة ومساحبها
منسوبة للنعمان نفسه
(11) الــــطـــرر : جمع الطرة ، وهي جانب
الثوب وطرفه
(12) الـنـوافـــــــــــــج : جمع نافجة ، وهي
وعاء المسك
(13) الــحــبــــر : نوع من القماش الموشى
(14) الثـغــــــي : الثغاء صوت الشاء والبقر
(15) الــــدمــــــــــــــث : النـاعـمـــــــــــــــــة
(16) تصـوبــــي : نقيض تصعدي ، أي انزلي
من عل ، ثم انحدري
(17) الـــــــــــــــلأواة : الـشـــــــــــــــــــــــــدة
(18) المـدرعة : لباس من الصوف الرخيص
(19) الـصـــعــــــر : الكـبــــــــر والزهـــــــــو
(20) الـــلـــــدغـــــــــــــى : التــــي تلـــــــــدغ
(21) في هذه القطعة حتى البيت الأخير منها :
وقد يضيق بشكر المفضلين فم
حتى يغطي عليه عذر معتذر .
تنويه بفضل المقيمين حفل التكريم والمساهمين فيه ، وبلطف
الأدباء والكتاب والشعراء الذين شاركوا كل منهم بدوره ، وبما
سمحت به عواطفه الكريمة
(22) خـــضـــــــــــل : مـبـتـــــــــل ، نـــــــــدي
(23) ســــــــــــــــــلاف : الخـمــــــــــــــــــــــر
= = = = = = = = = =
الـكـاشـــــــــــــــــف
* * * * * * *
ـــــــــــــــــــ