بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الانقطاع عن الطريق مصيبة كبرى، وخسران مبين، وسببه موافقة السالك لشهوات نفسه وتطلعه للمقامات والكشوفات وانحرافه عن مقصده الأسمى. فالسالك الصادق المخلص لا يطلب المقامات ولا يقصد المراتب والكرامات، وإنما هي منازل يقطعها في طريقه إلى الغاية الكبرى دون انحراف أو التفات:
فلا تلتفتْ في السير غيراً وكلُّ ما سوى الله غيرٌ فاتخذْ ذكره حصناً
وكل مقام لا تقم فيه، إنه حجاب فجدَّ السيرَ واستنجد العونا
ومهما ترى كلَّ المراتب تُجتَلى عليك فحُلْ عنها، فعن مثلها حُلنا
وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب فلا صورة تُجْلى، ولا طرفة تُجنى
قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: (ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كُشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك) ["إيقاظ الهمم في شرح الحكم" ج1/ص51].
وكما أن لكل طريق حسي مخاطر وعوائق وقطاعاً، فإن للطريق الروحي القلبي مزالق ووهاداً وعقباتٍ لا بد من الانتباه إليها، ومن هنا يظهر فضل الدليل، وضرورة المرشد الذي يمسك بيد السالك فيجنبه المخاطر، ويقيه شر المهالك. ولطالما كثر تحذيرُ العلماء المرشدين للسائرين إلى الله تعالى من الوقوف والانقطاع، وشحذُ هممهم لمواصلة السير ومتابعة الجد، وترغيبُهم بنعيم الوصول وسعادة القرب.
قال ابن القيم رحمه الله: (السائر إلى ربه إذا أبصر الطريق وأعلامها، وأبصر المغاير والوهاد والطرق الناكبة عنها ؛ فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقي عليه الشطر الآخر ؛ وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافراً في الطريق، قاطعاً منازلها منزلة بعد منزلة، فكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى، واستشعر القرب من المنزل، فهانت عليه مشقة السفر، وكلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة الشدِّ والرحيل ؛ وعَدَها قرب التلاقي وبرد العيش عند الوصول، فيُحدث لها ذلك نشاطاً وفرحاً وهمة فهو يقول: يا نفس أبشري فقد قرب المنزل، ودنا التلاقي فلا تنقطعي في الطريق دون الوصول فيحال بينك وبين منازل الأحبة، فإن صبرتِ وواصلتِ المسرى وصلتِ حميدة مسرورة جذلة وتلقتك الأحبةُ بأنواع التحف والكرامات، وليس بينك وبين ذلك إلا صبر ساعة، فإن الدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة، وعمرك درجة من درج تلك الساعة، الله الله لا تنقطعي في المفازة، فهو والله الهلاك والعطب لو كنتِ تعلمين.
فإن استصعبتْ عليه فليذكِّرها ما أمامها من أحبابها، وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خلفها من أعدائها، وما لديهم من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء. فإن رجعت فإلى أعدائها رجوعُها، وإن تقدمت فإلى أحبابها مصيرها، وإن وقفت في طريقها أدركها أعداؤها فإنهم وراءها في الطلب. ولا بد لها من قسم من هذه الأقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت. وليجعلْ حديث الأحبة حاديها وسائقها، ونور معرفتهم وإرشادهم هاديها ودليلها، وصِدقَ وِدادهم وحبهم غذاءها وشرابها ودواءها، ولا يوحشْه انفرادُه في طريق سفره، ولا يغترَّ بكثرة المنقطعين، فألم انقطاعه وبعاده واصل إليه دونهم، وحظه من القرب والكرامة مختص به دونهم فما معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم ؟!.
وليعلم أن هذه الوحشة لا تدوم، بل هي من عوارض الطريق، فسوف تبدو له الخيام، وسوف يخرج عليه المتلقون يهنئونه بالسلامة والوصول إليهم، فيا قرة عينه إذ ذاك، ويا فرحته إذ يقول: {يا ليتَ قومي يعلمونَ بما غَفَرَ لي ربّي وجعلني مِنَ المُكرَمينَ} [يس: 26ـ27]) ["طريق الهجرتين" لابن القيم ص232 ـ 233].
ويختلف الواصلون في وصولهم إلى الله تعالى كل على حسب مقامه وهمته:
فمنهم من وصل في سيره إلى وحدة الأفعال ذوقاً وشهوداً، ويفنى فعله وفعل غيره، ويتذوق معنى قوله تعالى: {وما رميتَ إذ رميتَ ولكِنَّ اللهَ رمى} [الأنفال: 17]. وهذه رتبة في الوصول.
ومنهم من يصل في سيره إلى وحدة الصفات ذوقاً وشهوداً، فيتذوق معنى قوله تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء اللهُ} [الدهر: 30]. ويتذوق معنى الحديث القدسي: "فإذا أحببْتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق عن أبي هريرة رضي الله عنه]. وهذه رتبة في الوصول.
ومنهم من يترقى إلى مقام الفناء في الذات، فيشهد عَرَضية كل شيء مقابل وجود الحق عز وجل، وتفيض عليه أنوار اليقين، ولسان حاله يقول:
وجودي أن أغيبَ عن الوجود ِبما يبدو عليَّ من الشهود ويتذوق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لَبيد: ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطلُ..." [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب عن أبي هريرة رضي الله عنه والمراد بالبطلان: الفناءُ أي: {كُلُّ مَنْ عليها فانٍ . وَيَبقى وَجهُ ربِّكَ ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 26ـ27] كما في "هداية الباري لترتيب أحاديث البخاري" ج1/ص92].
والصوفية في طريقهم للوصول إلى الله تعالى قد جعلوا قدوتهم ورائدهم سيد الوجود وإمام المتقين محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهجوا نهجه حين فرَّ عليه الصلاة والسلام إلى ربه، ولجأ إليه بعيداً عن الجو الوثني وعبادة الأصنام والأحجار وعن صخب الحياة وأوضارها.
الموضوع منقووووول لكن يا حبذا لو وضعوا شيوخنا عليه بعض اللمسات
قواطع الطريق
الشريفة الشاذلية · 2 مشاركة