فلسفة الخلق وتكوين الطبائع الكونية [ج1]

ابن الحاج المراكشي · 2 مشاركة

فلسفة الخلق وتكوين الطبائع الكونية

اعلم أيها الطالب أن فهم سر الوجود يكمن في استيعاب كيفية نشأة الطبائع وتفاعلها، وصولًا إلى تكوين العوالم والكائنات. هذا العلم يغوص في أعماق الفلسفة الكونية التي تحدثت عنها الحكماء الأوائل.

أصل الطبائع الأساسية: الحرارة والبرودة

إن أول ما أوجده الله تعالى في الوجود هو طبيعة الحرارة. أصل هذه الطبيعة يكمن في الحركة الكونية، وهي تجلي لقدرة الله تعالى، وتُعد علة العلل في جميع الأشياء المتحركة في الكون.


ثم تلتها في الخلق طبيعة البرودة. وأصل هذه البرودة يكمن في السكون الكوني، الذي هو أيضًا تعبير عن قدرة الله تعالى، وهو علة العلل في الأشياء الساكنة.


هذان المبدآن، الحرارة والبرودة، يمثلان أول زوجين متقابلين في الخلق، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات: 49).

تولد الطبائع الأربع الفردية (اليبوسة والرطوبة)

بعد ذلك، حدث تفاعل كوني عظيم: تحركت الحرارة على البرودة، بقوة السر الذي أودعه الله فيها من الحركة. نتج عن هذا الامتزاج والتفاعل:


من الحرارة تولدت اليبوسة.


ومن البرودة تولدت الرطوبة.


وهكذا، تشكلت أربع طبائع مفردة (الحرارة، البرودة، اليبوسة، الرطوبة) ضمن جسم واحد روحاني، يُعد هذا الجسم أول مزاج بسيط في الوجود.


نشأة الحياة والموت والأفلاك
تبعًا لهذا التفاعل، حدث انقسام وتمايز:


صعدت الحرارة بالرطوبة، فخلق الله منها طبيعة الحياة والأفلاك العلوية (العوالم العليا).


هبطت البرودة مع اليبوسة إلى أسفل، فخلق الله منها طبيعة الموت والأفلاك السفلية (العوالم السفلى).

دورات الفلك وتكوين العناصر الأربعة

ثم افتقرت الأجسام إلى أرواحها التي صعدت عنها في المرحلة السابقة. لذا، أدار الله تعالى الفلك الأعلى دورة ثانية، وفي هذه الدورة الثانية، امتزجت الحرارة بالبرودة، والرطوبة باليبوسة، مما أدى إلى تولد العناصر الأربعة الرئيسية:


من مزاج الحرارة واليبوسة، تكون عنصر النار.


من مزاج الحرارة مع الرطوبة، تكون عنصر الهواء.


من مزاج البرودة والرطوبة، تكون عنصر الماء.


من مزاج البرودة واليبوسة، تكون عنصر التراب.


هذا التكوين يمثل مزاج العوالم، وهو تركيب ازدواجي للطبائع حدث مرتين (الأولى لتكوين اليبوسة والرطوبة، والثانية لتكوين العناصر). من هذه العناصر، خلق الله العوالم العلوية، وركب منها أول المركبات الثلاثة، وهو المعدن (الجماد).


تطور الخلق وتكوين الكائنات
بعد ذلك، أدار الله تعالى الفلك الأعلى إلى الأسفل دورة ثالثة، فتولد منها النبات والحيوان البهيمي.


ثم أدار الله تعالى الفلك الأعلى إلى أسفل دورة رابعة، فتولد منها الحيوان الناطق الإنساني. والإنسان هو آخر المركبات وأحسنها وأكملها تركيبًا.

قاعدة أساسية في الطبائع

من هذا الشرح المطول، نستخلص قاعدة جوهرية واحدة:
الحرارة والبرودة هما الطبعان الفاعلان (الأصليان)، ومنهما تفرعت الطبائع المنفعلة (الفرعية) وهما اليبوسة والرطوبة.


توضيح حول تركيب الطبع والعناصر
لفهم أعمق لتركيب الطبائع، يجب أن ندرك أن الطبع يتركب من بسيط وثلاث مركبات، وأن هناك مراحل دقيقة تسبق الوصول إلى الطبع النهائي للعنصر:


فمثلاً، بالنسبة للنار، لا نقول مباشرة إنها "حار يابس". بل تركيب الطبع يتطور كالتالي:


حار (بسيط)


حار بارد (مركب أول، وهو مرحلة العدم، الاعتدال، السكون، أو النشأة الأولى التي تنتج الرطوبة من مزيج الحرارة والبرودة)


حار يابس (مركب ثان)


نار (الطبع النهائي للعنصر)


هذان المركبان (حار بارد، وحار يابس) يسبقان النار. وهذا الخطأ شائع بين طلبة العلم الذين يظنون أن بعد البسائط تأتي الطبائع مباشرة، دون الانتباه لوجود هذين المركبين اللذين يسبقان الطبع النهائي للعنصر. هذه المراحل كانت مخفية في التركيب، وخاصة مرحلة "العدم" أو "الاعتدال" التي هي نتاج مزيج الحرارة والبرودة، والتي تتشكل منها الرطوبة.


ملحوظة: لن نتطرق الآن إلى مراحل التكوين الأخرى مثل مزج العناصر وتركيب المعدن والنبات والحيوان البهيمي والحيوان الناطق، لأن موضوعنا الحالي يقتصر فقط على سر تسكين الطبائع في مثلث الغزالي.