الجسم الحي يدين بوظيفته لجهتين غير ماديتين، غالبًا ما نسميهما بـ"الوعي" (النفس) و"الحياة" (الروح)، حيث يمثل الوعيُ المعلومات التي تتجلَّى في الجسم وتنتقل فيه إلى حيِّز الظهور. وبما أن الوعي يمثل كيفية مستقلة غير مادية، فهو بالطبع ليس نتاج الجسم ولا هو متعلق بوجوده أو متوقف عليه.
ويمتلك الإنسان مركزين: القلب والدماغ، الشعور والتفكير. ويُعَد الرأسُ أكثر الأعضاء ارتكاسًا للألم؛ ويبيِّن الألمُ الذي ينتابه أن تفكيرنا خاطئ، أننا نوظف تفكيرنا توظيفًا خاطئًا، وأنه عندما تتعاون الوظائف الجسمانية المتنوعة لتقوم بأدائها الجمعي أداءً محددًا ينشأ نموذجٌ نشعر أنه متناغم، ولذلك ندعوه بـ"الصحة". أما إذا انحرفت إحدى الوظائف، فإنها تُخِل بمجمل هذا التناغم، كثيرًا أو قليلاً، ويدور الحديث عندئذٍ عن "المرض".
والمرض، شأنه شأن الموت، متأصل في عمق الوجود البشري (البوذية)، ولا يمكن القضاء عليه ببضع حيل وظيفية لا حول لها ولا قوة. فالمرض إحدى حالات الإنسان التي تنبِّهه إلى أنه في وعيه لم يعد على ما يرام أو أنه فقد التناغم: العَرَض المرضي symptom ينبِّهني إلى أنني كإنسان، ككائن نفسي، مريض؛ أي أنني خرجت عن توازن القوى النفسية الداخلية. وبذلك ليس للمرض من هدف سوى جعلنا أصحاء!
المرض أكثر من مجرد خلل وظيفي في الطبيعة: فهو جزء من نظام شامل يخدم التطور. ولا يمكن تخليص الإنسان من حالة المرض بإطلاق لأن الصحة تحتاج إليها كقطب مضاد. يمرض الإنسان لأنه يفتقر إلى الوحدة. فلا وجود للإنسان السليم الذي لا ينقصه شيء – اللهم إلا في كتب التشريح!
المرض دومًا أزمة؛ وكل أزمة في تطور، وكل محاولة للعودة ثانيةً إلى حالة ما قبل المرض محاولة ساذجة. فالمرض يريد أن يمضي بنا إلى ضفاف جديدة، مجهولة، غير معاشة. وفقط عندما نلبي نداءه تلبيةً واعية وطوعية فإننا نضفي على الأزمة مغزى.
المرض يجعل الإنسان صادقًا. ففي أعراض المرض نعيش في وضوح وفي شكل مرئي ما نريد أن نكبته ونخفيه. ونحن نتحمل بأنفسنا دائمًا مسؤولية كل ما يصيبنا في حياتنا. ولا استثناء في هذا: عندما يعاني أحدنا فهو لا يعاني دائمًا إلا من نفسه. كل منا هو الفاعل والضحية في شخص واحد. ومادام الإنسان لم يكتشف كلا الأمرين في نفسه يتعذر شفاؤه. من هنا يجب علينا أن نتذكر أن من الصعوبة بمكان شفاء شخص فقد الرغبة في الحياة (أي صار يعتبر نفسه ضحية)، وأن من السهولة بمكان معالجة مَن يكافح من أجل الحياة، لأن نضال العقل يتغلب على المادة دائمًا.
كل مَن يعاني آلامًا ينبغي عليه دائمًا أن يراجع نفسه ويفكر فيمَن المقصود بها في الواقع. ومَن يتعلم فهمَ المرض بوصفه طريقًا إلى الوعي ينفتح له عالمٌ جديد من الاستشراف والبصيرة.
فالمرض فرصة الإنسان الكبرى – خيره الأثمن : هو المعلم والدليل الشخصي على طريق العافية والسلامة. ولا بدَّ للإنسان من أن يكف عن "محاربة" المرض، وأن يتعلم، بدلاً من ذلك، كيف يصغي ويرى ما يريد المرضُ أن يقوله له. يجب على المريض أن ينصت إلى دخيلة نفسه وأن يتواصل مع أعراضه إن هو أراد سماع رسالتها. فالشفاء يقترن دومًا بتوسيع في الوعي.
الهم والرجاء يجب أن ينصبَّا على طريقة محددة للرؤية والتفكير تمكِّننا من رؤية المرض رؤيةً مختلفة عما ألفناه حتى الآن. والحال هنا شبيهة بِمَن يريد تفسير أحلامه: ينبغي عليه أن يستعمل كتابًا لتفسير الأحلام ليتعلم كيفية التفسير، لا ليبحث عن أحلامه فيه!
لدى أعراضنا المَرَضية الكثير لتقوله لنا؛ إنها أكثر وأهم من النظرة التي نوليها للمرض نفسه. العَرَض صديق حميم، ينتمي إلينا انتماءً كاملاً؛ وهو الوحيد الذي يعرفنا حق المعرفة، حيث إننا، إذا أصغينا إليه وتَواصلنا معه، صار معلمًا مرشدًا نزيهًا على طريق الشفاء الحقيقي بإخباره إيانا عما ينقصنا في الواقع.
الأعراض المَرَضية لا تحل المشكلة على المستوى الجسماني، بل توفر للجسم شرطَ التعلم كخطوة أولى. فكل حدث جسماني يُكسِب خبرة؛ ولكن ليس بالإمكان التكهن، في الحالة المفردة، بمدى بلوغ هذه الخبرة إلى الوعي.
أعراض المرض تشفي الإنسان وتجعله سليمًا، وذلك بتحقيقها على مستوى الجسم ما هو ناقص على صعيد الوعي. لذا يجب أن نتعلم كيف نقف إلى جانب "ظلِّنا" (يونغ) ونصادِق لاوعينا: من هنا ضرورة الوقوف في صف الظلِّ دومًا، ومساعدته على التكشف والظهور، وعدم محاربة المرض وأعراضه، بل استخدامها والاستفادة منها كمحور للشفاء. ولا يزول العَرَض المرضي قبل أن يغدو وجودُه وعدمه سيان عند المريض.
كلما ازداد تعمق المرء في الصور المَرَضية ومشكلات الإنسان اتضح له أكثر أن الحياة البشرية تتأرجح بين قطبي الجذب والنبذ، الإثبات والنفي. وكثيرًا ما ندعو الأول بالحب والثاني، في صورته النهائية، بالموت. أما الحياة فتعني ممارسة كلٍّ من الجذب والنبذ ممارسةً إيقاعية.
الشفاء يعني دائمًا اقترابًا من السلامة، اقترابًا من الوعي الكلِّي. إن طريق الإنسان هو طريق من الويلات إلى السلامة – من المرض إلى الشفاء والقدسية – لأن الشفاء يحدث عن طريق ضمِّ ما هو ناقص؛ وبالتالي، فهو غير ممكن دون توسيع في الوعي.