رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أدبني ربـي فأحسن تأديبـي»
فالأدب: تهذيب الظاهر والباطن فإذا تهذب ظاهر العبد وباطنه صار صوفياً أديباً، وإنما سميت المأدبة مأدبة لاجتماعها على أشياء، ولا يتكامل الأدب في العبد إلا بتكامل مكارم الأخلاق، ومكارم الأخلاق مجموعها من تحسين الخلق؛ فالخلق صورة الإنسان والخلق معناه، قال بعضهم: الخلق لا سبـيل إلى تغيـيره كالخلق، وقد ورد «فرغ ربكم من الخلق والخلق والرزق والأجل» وقد قال تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}«حَسِّنُوا أَخْلاقَكُمْ» ، وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان وهيأه لقبول الصلاح والفساد وجعله أهلاً للأدب ومكارم الأخلاق، ووجود الأهلية فيه كوجود النار في الزناد ووجود النخل في النوى؛ ثم إن الله تعالى بقدرته ألهم الإنسان ومكنه من إصلاحه بالتربـية إلى أن يصير النوى نخلاً، والزناد بالعلاج حتى تخرج منه نار، وكما جعل في نفس الإنسان صلاحية الخير جعل فيها صلاحية الشر حال الإصلاح والإفساد، فقال سبحانه وتعالى: {ونَفْسٍ ومَا سَوَّاها فألْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا}{قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}«أَدَّبَنِي رَبِّـي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِـي» وفي بعض الناس من يحتاج إلى طول الممارسة لنقصان قوى أصولها في الغريزة،فلهذا احتاج المريدون إلى صحبة المشايخ لتكون الصحبة والتعلم عوناً على استخراج ما في الطبـيعة إلى الفعل، قال الله تعالى: {قُوا أنْفُسَكُمْ وأهْلِيكُمْ ناراً}«أَدَّبَنِي رَبِّـي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِـي ثُمَّ أَمَرَنِي بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ فَقَالَ: {خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ} . قال يوسف بن الحسين: بالأدب يفهم العلم، وبالعلم يصح العمل، وبالعمل تنال الحكمة، وبالحكمة يقام الزهد، وبالزهد تترك الدنيا، وبترك الدنيا يرغب في الآخرة، وبالرغبة في الآخرة تنال الرتبة عند الله تعالى.
قيل: لما ورد أبو حفص العراق جاء إليه الجنيد فرأى أصحاب أبـي حفص وقوفاً على رأسه يأتمرون لأمره لا يخطئ أحد منهم، فقال: يا أبا حفص أدبت أصحابك أدب الملوك، فقال: لا يا أبا القاسم، ولكن حسن الأدب في الظاهر عنوان الأدب في الباطن.
قال أبو الحسين النوري: ليس لله في عبده مقام ولا حال ولا معرفة تسقط معها آداب الشريعة؛ وآداب الشريعة حلية الظاهر، والله تعالى لا يبـيح تعطيل الجوارح من التحلي بمحاسن الآداب.
قال عبد الله بن المبارك: أدب الخدمة أعز من الخدمة.
حكي عن أبـي عبـيد القاسم بن سلام قال: دخلت مكة فكنت ربما أقعد بحذاء الكعبة وربما كنت أستلقي وأمدّ رجلي؛ فجاءتني عائشة المكية فقالت لي: يا أبا عبـيد يقال إنك من أهل العلم، اقبل مني كلمة، لا تجالسه إلا بأدب وإلا فيمحى اسمك من ديوان القرب، قال أبو عبـيد: وكانت من العارفات.
وقال ابن عطاء: النفس مجبولة على سوء الأدب، والعبد مأمور بملازمة الأدب، والنفس تجري بطباعها في ميدان المخالفة والعبد يردها بجهده إلى حسن المطالبة؛ فمن أعرض عن الجهد فقد أطلق عنان النفس وغفل عن الرعاية، ومهما أعانها فهو شريكها.
وقال الجنيد: من أعان نفسه على هواها فقد أشرك في قتل نفسه، لأن العبودية ملازمة الأدب، والطغيان سوء الأدب.
أخبرنا الشيخ العالم ضياء الدين عبد الوهاب بن علي، قال: أخبرنا أبو الفتح الهروي، قال: أخبرنا أبو النصر الترياقي، قال: أخبرنا أبو محمد الجراحي، قال: أخبرنا أبو العباس المحبوبـي، قال: أخبرنا أبو عيسى الترمذي،قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا يحيـى بن يعلى عن ناصح عن سماك عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله : «لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ» .
وروي أيضاً أنه قال عليه السلام: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَداً مِنْ نِحْلَةٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ» . وروت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله قال: «حَقُّ الوَالِدِ عَلَى الوَلَدِ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ وَيُحْسِنَ مَوْضِعَهُ وَيُحْسِنَ أَدَبَهُ» .
وقال أبو علي الدقاق: العبد يصل بطاعته إلى الجنة، وبأدبه في طاعته إلى الله تعالى. قال أبو القاسم القشيري رحمه الله: كان الأستاذ أبو علي لا يستند إلى شيء، فكان يوماً في مجمع، فأردت أن أضع وسادة خلف ظهره لأني رأيته غير مستند، فتنحى عن الوسادة قليلاً، فتوهمت أنه توقى الوسادة لأنه لم يكن عليها خرقة أو سجادة، فقال: لا أريد الاستناد، فتأملت بعد ذلك فعلمت أنه لا يستند إلى شيء أبداً.
وقال الجلال البصري؛ التوحيد يوجب الإيمان، فمن لا إيمان له لا توحيد له، والإيمان يوجب الشريعة، فمن لا شريعة له لا إيمان له ولا توحيد له، والشريعة توجب الأدب فمن لا أدب له لا شريعة له ولا إيمان له ولا توحيد له.
وقال بعضهم: الزم الأدب ظاهراً وباطناً، فما أساء أحد الأدب ظاهراً إلا عوقب ظاهراً، وما أساء أحد الأدب باطناً إلا عوقب باطناً.
قال بعضهم ـ هو غلام الدقاق ـ نظرت إلى غلام أمرد فنظر إلي الدقاق وأنا أنظر إليه، فقال: لتجدن غبها ولو بعد سنين، قال: فوجدت غبها بعد عشرين سنة أن أنسيت القرآن.
وقال سري: صليت وردي ليلة من الليالي ومددت رجلي في المحراب، فنوديت: يا سري هكذا تجالس الملوك؟ فضممت رجلي ثم قلت: وعزتك لا مددت رجلي أبداً. وقال الجنيد: فبقي ستين سنة ما مد رجله ليلاً ولا نهاراً.
وقال عبد الله بن المبارك: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن. ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة.
وسئل السري عن مسألة في الصبر فجعل يتكلم فيها، فدب على رجله عقرب فجعلت تضربه بإبرتها، فقيل له: ألا تدفعها عن نفسك؟ قال: أستحي من الله أن أتكلم في حال ثم أخالف ما أعلم فيه.
وقيل: من أدب رسول الله أنه قال: «زُوِيَتْ لِيَ الأَرْضُ فَأُرِيْتُ مَشَارِقَها وَمَغَارِبَها» ولم يقل رأيت.
وقال أنس بن مالك: الأدب في العمل علامة قبول العمل.
وقال ابن عطاء: الأدب الوقوف مع المستحسنات. قيل: ما معناه؟ قال: أن تعامل الله سراً وعلناً بالأدب، فإذا كنت كذلك كنت أديباً وإن كنت أعجمياً. ثم أنشد:
إذا نطقت جاءت بكل مليحة
وإن سكتت جاءت بكل مليح
وقال الجريري: منذ عشرين سنة ما مددت رجلي في الخلوة، فإنّ حسن الأدب مع الله أحسن وأولى.
وقال أبو علي: ترك الأدب موجب للطرد، فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب