إن المتصوفة أهتموا بالأعمال الباطنة كاهتمامهم بالأعمال الظاهرة ، ومعلوم لدينا ظاهر الأعمال والأحكام الشرعية المتعلق والمرتبط به كالصلاة والصوم والحج والزكاة أما الأعمال الباطنة المتعلق بباطن جسم الإنسان وما حوى داخل التجويف الصدري كالقلب وردود الفعل والتصرفات النفسيه سواء في حالة الأنحدار نحو الأسفل في طريق الهاوية نزولاً سلم الترقي الى درجة النفس الحيوانية والى العتمة والظلمة المادية او ترقيها وتزكيتها بمعونة الله وأمره ومساعدته للتخلص من عيوب النفس المتمثل بالرياء والغرور والكبر والعجب والحقد والحسد والنفاق والإنكار وغيرها التي تزيد على الأربعين مرض وآفة نفسية وأخلاقية والتي هي عكس الإيمان والصدق والتصديق والخشوع والإخلاص والرضا والتوكل والزهد وغيرها الكثير ، ولا فرق بين الظاهر والباطن فهما وجهان لعملة واحدة فالظاهر هو الباطن والباطن هو الظاهر وينعكس تأثيرهما على بعضيهما البعض انما الفرق هو في التجليخ والصقل والتلميع ومن البديهي ان كان صقل الجانبان وتلميعهما هو الأفضل والغاية الكبرى والمقصود الأسمى كما قال سيدي رسول الله صلوات الله عليه وآله وصحبه وسلم : ( من عمل منكم عملاً فليتقنه ) . ونحن جميعاً كمسلمين نحب ربنا وخالقنا سبحانه وتعالى ونقرأ كتابه الكريم ونحب نبينا الكريم محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم ونحب الإقتداء به وبسنته الشريفة ونتبع خطاه ونتحرى الحلال عن الحرام والحمد لله نصل الرحم ، نعم هذا هو حالنا نحن كمسلمين موحدين لا نشرك بربنا أحداً ، وهو حال جميع المسلمين مع تفاوت درجة الالتزام والإخلاص وتطبيق شرع الله سبحانه وتعالى قولاً مسنوداً بالعمل حسب الدرجة الإيمانية فكلما زاد الإيمان زاد التطبيق العملي والارتباط الديني ، ويجب الحذر والتفريق بين زيادة الإيمان والارتباط الديني المتمثل بالعصبية القبلية او الطائفية او الفهم الخاطئ للدين فهناك من يقوم ببعض الشعائر الدينية بل ومستقتلاً في التنفيذ دون إيمان حقيقي راسخ مقرون بيقين ثابت وهذا ما يسمى بغسيل المخ ويمكن تغير ما رسغ في المخ بغسيل آخر معاكس له ولكن في حال الإيمان المقرون بيقين ثابت يصعب تغير ما رسخ في القلب لأن ما رسخ في المخ يمكن تغيره بل حتى محوه وإبداله ( وقد تعرفت على البعض من الناس والأصدقاء في مطلع شبابي وهم يقسمون بالحزب والمعتقد الذي ينتمون اليه ثم بعد سنين رأيتهم وهم قد تركوا حزبهم ومعتقدهم ) ، أما ما رسخ في القلب لا يمكن إبداله وتغيره لأن القلب ومفتاحه بيد الله سبحانه وتعالى . نعم يمكن للإنسان ان يفهم شيء ويحلله تحليلاً عقلياً ويؤمن به ولكن هذا الشيء او الفكرة لم تثبت في القلب كي تحصل على اليقين الكامل وخاصة في موضوع الإيمان حيث ان الشيطان يرتع في مجرى الدم ومقره وقصره وسواتره الخلفية هي القلب فلا يسمح بهذه السهولة ان يخسر هذا الموقع إلا بمعونة الله سبحانه وتعالى ، ومن وصل هذه المرحلة وعبر وانتصر في هذا الصراع يصعب ان يسمح لعدوه ولشيطانه ان يرجع ويستلم زمام امور قلبه من جديد .
لذا لا بد من ربط موضوع طهارة باطن الإنسان وهو القلب وهو مركز الإيمان بموضوع طهارة ظاهر الإنسان ، قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) . (الشعراء 88 ، 89) ، وقد حث رجال التصوف على سلوك هذا الطريق وخاصة ان التصوف الملتزم والمقرون بالكتاب والسنة والبعيد عن البدع هو الطريق الأمثل للتخلص من أدران النفس وأمراضها وعيوبها وفتح الأقفال الموصدة على بوابة القلب لدخول نور الله ، ولا يطمئن القلب إلا بذكره سبحانه وتعالى وهو القائل في محكم كتابه المجيد : (قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) . (الرعد 27 * 28 ) .
نحن نتكلم بهذا الكلام والكثير منا يعتقد ويظن في نفسه بلوغ الكمال بما يراه من تأدية للطاعات التي تدخله باب الغرور والعجب لذا حث العلماء الربانيون على سلوك طريق التصوف الذي به يكمل دين المرء لأنها تستطيع ان ترينا علاتنا وعيوب أنفسنا وامراضنا المبتلين بها وترينا الطريق العملي للخروج والنجاة من هذه العلل والأمراض وكيفية التخلص منها وإبدالها بأخلاق إسلامية محمدية تصغر بجانبها كل لذة مهما عظم قدرها ، فالصوفي بين الخلق قالباً وجسماً ولكنه مع الحق قلباً وروحاً ومتوسماً بالشريعة في القول والفعل ولا يسأل إلا الله سبحانه وتعالى ، كما جاء في حديث سيدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم ( إذا سألت فسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ) .